المسؤولية المدنية: مفهومها وأنواعها - القانون المغربي

اخر المواضيع

Post Top Ad

المسؤولية المدنية: مفهومها وأنواعها

المسؤولية المدنية: مفهومها وأنواعها

المبحث الأول المفهوم العام للمسؤولية وأنواعها.

المطلب الأول : المفهوم العام للمسؤولية
يرتبط مفهوم المسؤولية في الاصطلاح العام بتحمل الشخص نتائج و عواقب الإخلال الصادر عن مخالفة الواجبات الملقاة على عاتقه أو على عاتق من يتولى رقابته والإشراف عليه. أو بتعبير آخر هي الجزاء المترتب عن ترك الواجب، أو فعل ما كان يجب الامتناع عنه بمعنى أن المسؤولية هي وضعية الشخص الذي ارتكب مخالفة تستوجب المؤاخذه وهذه المخالفة قد تكون أخلاقية تستوجب جزاءا ادبيا، او قانونية تستوجب جزاءا قانونية  اما بخصوص الاصطلاح الخاص لمفهوم المسؤولية في إطار المجال المدني، فهي تعني المؤاخذة أو المحاسبة عن فعل أو سلوك معين يضر بالغير وذلك بإلزام المخطئ- في حدود القانون - باداء التعويض للغير المتضرر من الضرر الذي اصابه نتيجة ما لحقه من تلف مال او ضياع منافع، أو عن ضرر جزئي أو كلي مادي او معنوي، حادث بالنفس، أو نتيجة لإخلاله بالالتزام العقدي، فالمسؤولية بهذا المعنى الخاص تكون إما عقدية مصدرها الإرادة، تنشا عن الإخلال بالتزام مصدره العقد، أو تقصيرية مصدرها القانون، تنشأ إذا كان الإلتزام الذي وقع الإخلال به مصدره العمل غير المشروع " Act illicite" وعليه، فالمسؤولية التقصيرية هي المصطلح الذي يطلق على الإلتزام المترتب عن العمل غير المشروع، أما الشخص الذي يلتزم بإصلاح الضرر فهر الذي يعرف باسمو المسؤول ويعد الفقيه البلجيكي سانكتيليت (Sanctelette ) أول من استعمل مصطلح المسؤولية (بالمعنى الخاص في بداية القرن الثامن عشر)، اما قبل هذا التاريخ فقد كان يعتد بمصطلح العمل غير المشروع، أما الفقهاء المسلمون فقد اطلقوا مصطلح "الضمان" على سائر فرضيات المسؤولية مدنية كانت او جنائية لأن العبرة لدى هذا الفقه ليس بمصطلح المسؤولية في حد ذاته، وإنما بالأثر المترتب عليها وهو الضمان وقد تم تأصيل مؤسسة الضمان في إطار الفقه الإسلامي بالاعتماد إلى مجموعة من القواعد الفقهية المشهورة كقاعدة "الغرم بالغنم"، وقاعدة "الخراج
بالضمان" وقاعدة "الإتلاف موجب للضمان" إلى غير ذلك من القواعدة.

المسؤولية المدنية S3

المطلب الثاني : انواع المسؤولية.
تنقسم المسؤولية، حسب التعريف السابق، وحسب درجة خطورة الضرر المترتب عن عمل الشخص وطبيعة الجزاء الذي يوقع على الفاعل إلى مسؤولية
أخلاقية (ادبية) ومسؤولية قانونية.

الفقرة الأولى : المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية القانونية.
أولا : المسؤولية الأخلاقية
يعتبر هذا النوع من المسؤولية لا علاقة له بميدان التعامل المدني الذي يولد جزاءات مدنية أو جنائية، فالمسؤولية الأخلاقية تتحقق بمجرد اقتراف الشخص المسؤول امرا مخالفا لقواعد الأخلاق والآداب واذا حصل منه خطا أو مساس بجوهر هذه القيم، فإن  الجزاء لا يعدو أن يكون مجرد تأنيب الضمير او
استنكار للفعل من طرف عامة الناس.
وعليه، فالمسؤولية الأخلاقية تترتب عن مخالفة قواعد الأخلاق، حيث يسال الشخص امام الله وامام ضميره، ولا يترتب عليها أي جزاء قانوني، ولا يشترط لقيامها حدوث ضرر للغير، بل يكفي أن ينوي الشخص ويتمنى شرا لغيره حتى تتحقق هذه المسؤولية.
ثانيا : المسؤولية القانونية
تدخل المسؤولية القانونية في نطاق دائرة القانون، إذ يترتب عن مخالفتها جزاء قانوني يتمثل أساسا في تعويض المضرور من الفعل الضار، وهي نوعان مسؤولية جنائية ومسؤولية مدنيةووقد يكون الجزاء القانوني عقوبة، إذا كان الإخلال يمس مصلحة المجتمع، فتتحقق المسؤولية الجنائية، أو قد يتمثل في تعويض إذا اقتصر الإخلال على المساس بمصلحة فردية، فتتحقق المسؤولية المدنية، كما تتحقق المسؤوليتان معا إذا ترتب عن الإخلال بالالتزام القانوني مساس بمصلحة المجتمع والمصلحة الفردية معا مثل جرائم القتل والضرب والسرقة ويشترط لقيام المسؤولية القانونية بنوعيها وقوع ضرر ناتج عن الخطاء ويعبر عن هذا الشرط برابطة السببية بين الخطا والضرر.

الفقرة الثانية : تمييز المسؤولية الأخلاقية عن المسؤولية القانونية.
لقد ذهب الفقه إلى أن المسؤولية الأخلاقية تتميز عن المسؤولية القانونية من عدة جوانب يمكن إجمالها فيما يلي :
1- المسؤولية الأخلاقية أوسع نطاقا من المسؤولية القانونية، فهي تتصل بعلاقة الشخص بربه، وبعلاقته بنفسه، وبعلاقته مع الغير، أما المسؤولية القانونية فتتصل بعلاقة الشخص مع الغير.
2- تتحقق المسؤولية الأخلاقية بمجرد وجود سوء النية، ولا تتحقق المسؤولية القانونية إلا إذا الحق الشخص ضررا بالغير.
3 . الجزاء في المسؤولية الأخلاقية ذاتي يتجلى في مسؤولية الإنسان أمام الله و امام ضميره، والجزاء في المسؤولية القانونية يحدده القانون.
هذه بعض اوجه الاختلاف بين المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية القانونية وهذه الأخيرة تنقسم بدورها إلى مسؤولية جنائية ومسؤولية مدنية.

المبحث الثاني : المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية.

في نطاق المسؤولية القانونية، يمكننا التمييز بين المسؤولية الجنائية وبين المسؤولية المدنية باعتبارهما يختلفان من حيث المفهوم والآثار.
المطلب الأول : مفهوم المسؤوليتين الجنائية والمدنية
نظرا للاختلافات الجوهرية التي تميز المسؤوليتين الجنائية والمدنية، فإننا سنحاول الوقوف على اهمها (فقرة ثانية)، وذلك بعد التعريف بهذين النوعين من
المسؤولية (فقرة اولى).

الفقرة الأولى : التعريف بالمسؤوليتين الجنائيةوالمدنية
أولا: المسؤولية الجنائية
المسؤولية الجنائية تعني تحمل الشخص لتبعات افعاله الجنائية المجرمة بمقتضى نص في القانون كالقتل والسرقة وخيانة الأمانة مثلا، وهي تترتب على ارتكاب جريمة من الجرائم، وتؤدي إلى عقاب مرتكب هذه الجريمة وانطلاقا من هذا المعنى فإن المسؤولية الجنائية ترتبط ارتباطا وثيقا بالعقاب ولا تنفصل عنه
ونظرا لخطورة الأفعال الجنائية ومساسها بالنظام العام، فإن العقوبات التي حددها المشرع لذلك، غالبا ما تكون صارمة تتراوح بين الغرامات  الزجرية والعقوبات السالبة للحرية التي قد تبلغ حد الإعدام، أو بتعبير
آخر، تترتب المسؤولية الجنائية عن العمل أو الامتناع الذي جرمه  المشرع الجنائي وعاقب عليه في نص من النصوص، على اعتبار أن الإمساك عن العمل او اتيانه يلحق ضرر بالمجتمع بكامله  والجرائم محددة بالقانون وفق ، مبدا "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص "
ثانيا : المسؤولية المدنية
المسؤولية المدنية يراد بها إلزام المسؤول باداء تعويض للطرف المضرور في الحالات التي تتوفر فيها شروط هذه المسؤولية، فهي لا تحمل هذه الردع بقدر
ما تفيد معنى جبر الضرر الذي تسبب فيه الشخص المسؤول بمعني آخر انه في حالة المسؤولية المدنية " يكون الفاعل قد أخل بالتزام مقرر في ذمته وترتب عن هذا الإخلال ضرر للغير فيصبح مسؤولا تجاه المضرور
وملتزما بتعويضه عما اصابه من ضرر، ويكون للمضرور وحده حق المطالبة  بالتعويض، ويعتبر هذا الحق حقا مدنيا خالصا له.

الفقرة الثانية : عناصر التفرقة بين المسؤوليتين الجنائية والمدنية
رغم ارتباط المسؤوليتين المدنية والجنائية بمجموعة من الأحكام المشتركة بعضها يتعلق بشروط تحقق هاتين المسؤوليتين والبعض الأخر يتعلق بالآثار القانونية المترتبة علهما، إلا أنهما تختلفان في العديد من المسائل القانونية والتي نجملها فيما يلي :
اولا : إذا كان الخطا الجنائي يحدث ضررا بالمجتمع، فإن الخطأ المدني يحدث ضررا بشخص معين، لذلك يعتبر حدوث الضرر شرطا لقيام المسؤولية المدنية
في حين أن المسؤولية الجنائية قد تتحقق حتى ولو لم يحصل الضرر، مثلا حيازة شخص لسلاح دون حصوله على ترخيص.
ثانيا : تترتب المسؤولية الجنائية عن خرق القانون، فهي تبقى محكومة بقاعدة لاجريمة ولا عقوبة إلا بنص. في حين أن المسؤولية المدنية تترتب عن
الإخلال بالإلتزامات والواجبات التي يفرضها مبدا التعايش الاجتماعي سواء أكان هذه الإلتزامات مقررة بموجب نصوص قانونية او كانت مستخلصة من المبادئ العامة التي تحكم احترام حقوق الغير وعدم الإضرار بها.
ثالثا : المسؤولية الجنائية تطالب بها النيابة العامة، كونها ممثلة للمجتمع، ومن ثم لا يمكنها التنازل عنها، على خلاف المسؤولية المدنية، التي يحق للمضرور وحده الحق في المطالبة بالتعويض، وبالتالي يحق له التنازل عنه او التصالح بشأنها.
رابعا : نظرا لخطورة الأفعال الجنائية فإن الجزاء المترتب عنها يتمثل في مجموعة من العقوبات الصارمة كالسجن والمصادرة والغرامات التي تأخذ طابعا زجريا في حين أن الجزاء المدني ينحصر في التعويض الذي يفرض على المسؤول، والذي تضمنه امواله، دون أن يصل الأمر حد تقييد حريته او القضاء على حياته.
خامسا : يجوز رفع الدعوى المتعلقة بالمطالب المدنية أمام المحكمة الجنائية المختصة بحيث تكون الدعوى المدنية تابعة للدعوى العمومية، وليس العكس، بحيث تخضع الدعوى المدنية التابعة للدعوى العمومية لشكليات وإجراءات قانون المسطرة الجنائية دون سواها، وهذا ما أكدته محكمة النقض بإقرارها أن الدعوى المدنية المعروضة على محكمة زجرية بحكم تبعيتها لدعوى عمومية لا تخضع لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية دون سواها أما في الحالات التي يختار فيها المضرور مباشرة دعوى المطالبة المدنية
بصورة مستقلة أمام القضاء المدني، فإنه يجب على هذه المحكمة أن تؤجل الفصل  في هذه الدعوى حتى يتم الفصل في الدعوى العمومية وذلك عملا بالمبدأ المشهور الذي يقضي بأن " الجنائي يعقل المدني"
سادسا : تختص كل من دعوى المسؤولية الجنائية ودعوى المسؤولية المدنية بأحكام تقادم مستقلة تختلف من حالة إلى أخرى، فطبقا للمادة 5 من ق.م.ج فإن الدعوى الجنائية تتقادم بمرور خمسة عشرة سنة من يوم اقتراف الجريمة بالنسبة  للجنايات وباربع سنوات بالنسبة للدعاوى الجنحية، وبانقضاء سنة بالنسبة للمخالفات، أما الدعوى المدنية التابعة فإن تقادمها يختلف باختلاف ما إذا كانت عقدية أو
تقصيرية، كما سيأتي عند مقارنتها بين مقتضيات هذين النوعين من المسؤولية (راجع الفصلين 106 و 387 من ق.ل.ع).

هناك 3 تعليقات:

  1. درس مفيد في مادة المسؤولية المدنية، لكم جزيل الشكر، المزيد من العطاء و التوفيق..

    ردحذف
  2. شكرا لك سيدي على كل ما تقدمه لنا 🌹

    ردحذف

Post Top Ad