التطور التاريخي لعلاقات الشغل - القانون المغربي

اخر المواضيع

Post Top Ad

التطور التاريخي لعلاقات الشغل

التطور التاريخي لعلاقات الشغل

لم يتدخل المشرع في أغلبية الدول الأوروبية في علاقات الشغل إلا ابتداء من القرن التاسع عشر، لإعادة التوازن للعلاقة بين العامل ورب العمل، ورفع الحيف الذي تعرض له الطبقة الشغيلة، و ذلك بمقتضى قواعد قانونية آمرة.

المطلب الأول: نظام الشغل في الحضارات القديمة
تميزت الحضارات القديمة بنظام الرق، و هو نظام يقوم على أساس وجود علاقة أبدية بين العبد وسيده، و بحكم هذه العلاقة يخضع العبد خضوعا مطلقا لسلطة السيد مما يجعله في عداد الأشياء و ليس في مقام الأشخاص، لذلك لم يكن من الممكن الحديث عن علاقة قانونية بين طرفين أجير ومشغلة.
كما عرف المجتمع الروماني ظاهرة قيام أشخاص أحرار بعمل تابع لغيرهم من الأحرار مقابل أجر، غير أن هذه الظاهرة ظلت نادرة، الأمر الذي حال دون ظهور قانون ينظم علاقات الشغل بالمعنى المتعارف عليه اليوم.
قانون الشغل S3


المطلب الثاني: علاقة الشغل في العصور الوسطى
عرفت علاقات الشغل في العصر الوسيط في أوروبا بالخصوص تغييرا تمثل في نظام الإقطاع في المجال الزراعي، ونظام الطوائف في المجال الصناعي.
ففي ظل نظام الإقطاع كان الأشخاص العاملون بالزراعة مرتبطين بالأرض التي يزرعونها و لا يملكون حرية الانتقال منها إلا بموافقة السيد، الأمر الذي أدى إلى القضاء على حرية العمل، وبالتالى حال دون ظهور قواعد قانون الشغل.
أما في ظل نظام الطوائف فقد كان يتميز بتنظيم دقيق لكل حرفة أوصناعة وفي إطاره اصحاب كل حرفة أو صناعة يتم تشكيل طائفة خاصة بهم تقوم على أساس تدرج هرمي يبدأ من المعلم ثم العامل فالصبي تحت التمرين، وكانت كل طائفة تختص بوضع نظامها الداخلي فيما يتعلق بالترقي في درجات الطائفة، و بالأجور وأوقات العمل.
وقد ظل هذا النظام سائدا إلى قيام الثورة الفرنسية 

المطلب الثالث: نظام الشغل في ظل الرأسمالية الحرة.
ترتب عن الثورة الفرنسية الغاء نظام الطوائف، واطلاق حرية الشغل، وتحريم أي تكثل من شأنه عرقلة هذه حرية، وذلك بمقتضى قالو لوشابولی
وادي تمسك رجالى الثورة الفرنسية بالحرية إلى سيادة مبداي سلطان الارادة والعقد شريعة المتعاقدين، حيث تم استغلالهما من طرف أرباب العمل ليملوا ما شاءوا من الشروط القاسية على العمال.

المطلب الرابع: نظام الشغل في ظل الرأسمالية المقيدة.
نتيجة لانتشار الوعي لدى العمال بحقيقة الأوضاع التي يشتغلون فيها، وكذا تصاعد حركات الإضرابات للضغط على أرباب العمل، وظهور مذاهب اقتصادية جديدة تنادي بضرورة تدخل الدولة، فقد اضطرت هذه الأخيرة منذ أوساط القرن التاسع عشر إلى التدخل بقواعد آمرة لا يمكن مخالفتها إلا إذا كانت المخالفة في صالح الأجير.
وهكذا صدرت تشريعات تحدد الحد الأدنى للأجر، و الحد الأقصى لساعات العمل، والراحة الأسبوعية، وضمان تمتيع العمال بالحماية اللازمة في حالة الإصابة بحوادث الشغل أو الأمراض المهنية.
 المطلب الخامس: علاقات الشغل في ظل التشريع المغربي
لم يعرف المغرب قبل بسط الحماية الفرنسية تنظيما العلاقات الشغل، بل كانت هذه الأخيرة محكومة بقواعد الفقه الإسلامي إلى جانب بعض العادات و الأعراف المحلية التي كانت تنظم الحرف تنظيما تسلسليا يبدأ بالمعلم ثم الصانع والمتعلم..
وكانت النزاعات التي تثار تحل من طرف الأمين الذي كانت له دراية بشؤون الحرفة، و عند عجزه كان يعرض الأمر على المحتسب.
وفي عهد الحماية بدأ النظام الطائفي يتراجع شيئا فشيئا بصدور قانون الالتزامات والعقود والذي تولى تنظيم عقد إجارة الخدمة، لكن مع نمو التجارة والصناعة وتزايد أفراد الطبقة العاملة، اصبح لزاما وضع تنظيم للشغل يشكل مرحلة أولى في طريق 
 الحماية للعمال والمستخدمين.
فصدرت عدة تشريعات للشغل نذكر منها:
ظهير 13 يوليوز 1926، المتعلق بتنظيم الشغل في المؤسسات الصناعية والتجارية وأداء الأجور.
ظهير 25 يونيو 1927 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل الذي تم تمديده للامراض المهنية بظهير 31 ماي 1943.
ظهير 18 يونيو 1936 المتعلق بالحد الأدنى للأجور
- ظهير 23 أكتوبر 1948 بشأن النظام النموذجي.
و على العموم صدرت إبان فترة الحماية مجموعة من القوانين الاجتماعية كان الغرض منها  أساسا حماية العمال الفرنسيين والأجانب، ولم تطبق على المغاربة الا استثناءا.
اهتمت هذه القوانين بتنظيم العمل في المجال الصناعي والتجاري دون المجال الفلاحي و بعد رحيل الحماية الفرنسية تم إصدار العديد من القوانين لمسايرة التطورات الصناعية من جهة و إعادة النظر في التشريعات التي كانت تستثني العمال المغاربة من جهة أخرى، وأهم النصوص التي صدرت نذكر منها:
ظهير 17 أبريل 1957 بشأن تأسيس الاتفاقيات الجماعية.
ظهير 15 يوليوز 1957 بشأن النقابات المهنية.
ظهير 31 أكتوبر 1959 بشان رفع الأجور كلما ارتفع مستوى المعيشة.
ظهير 24 أبريل 1973 المتعلق بتعيين شروط العمل في المجال الفلاحي.
وقد تأخر المغرب كثيرا في تحديث تشريعه الاجتماعي و تجميع نصوصه في مدونة على غرار باقي المدونات الأخرى، الأمر الذي ترتب عنه آثار سلبية على الأطراف المعنية بتطبيق قانون الشغل و خاصة الطرف الضعيف في العلاقة الشغلية و كذلك الصعوبات التي تعترض القائمين على تطبيق هذا القانون من قضاة و محامين ومفتشي الشغل ...خاصة إذا علمنا أنه كان هناك أكثر من 4500 فصل مشتت هنا و هناك، هذا الأمر كان له تأثير السلبي على الأحكام و القرارات الصادرة عن محاكم الموضوع أو محكمة النقض
لأجل ما سبق تاكدت حتمية وضع مدونة للشغل، و التي صدرت بتاريخ 11 شتنبر2003، واعتبرت بمثابة مرحلة هامة من مراحل تطور التشريع الاجتماعي المغربي.
وهي مدونة تقوم على جملة من المبادي  كما هي مستخلصة من مختلف موادها، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:
أولا : احترام مبادئ الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، والمتعلقة بحرية العمل والممارسة النقابية (الفصلين 29 و31 من الدستور).
ثانيا: احترام الاتفاقيات الدولية الصادرة عن منظمتي العمل الدولية والعربية المصادق عليها من طرف المغرب (أنظر دیباجة مدونة الشغل).
الثالثا: الحفاظ على المكاسب التي كانت تتضمنها القواعد القانونية التي وقع إلغاؤها بموجب مدونة الشغل.
رابعا: إضفاء الطابع المؤسساتي على المفاوضة الجماعية، وتعزيز القدرات التعاقدية للأطراف الاجتماعية للنهوض بالاتفاقيات الجماعية للشغل، مع تعزيز دور ومكانة الفرقاء الاجتماعيين ( القسم الثالث والرابع من الكتاب الأول من مدونة الشغل).
خامسا: تعزيز شروط النهوض بظروف العمل، وتحسين بيئته وتوفير الصحة والسلامة في أماكن العمل ( القسم الرابع من الكتاب الثاني من مدونة الشغل).
سادسا : إقرار الحق في التكوين للموارد البشرية لتوفير شروط التأهيل والترقي.
سابعا: توفير شروط تطوير المقاولة المغربية والنهوض بالاقتصاد الوطني بتحديث العلاقات المهنية، لضمان استقرار الشغل وإتاحة فرص جديدة للتشغيل.
ثامنا: تعزيز آليات التتبع و المراقبة لتطبيق مقتضيات تشريع الشغل (الكتاب الخامس من مدونة الشغل).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad