العقود التجارية: المفهوم والخصائص - القانون المغربي

اخر المواضيع

Post Top Ad

العقود التجارية: المفهوم والخصائص

 العقود التجارية: المفهوم والخصائص

 مما لاشك فيه أن العقد هو ارتباط إيجاب بقبول أوما يقوم مقامهما على وجه مشروع يظهر في المحل، وليس هناك تعريف قار للعقود التجارية (المطلب الأول) باعتبار أن كل العقود الواردة في القانون المدني من المحتمل أن تكون عقود تجارية، إلى أن هذه العقود الأخيرة تمتاز بعدة خصائص تميزها عن نظيرتها من العقود الأخرى (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مفهوم العقود التجارية
جدير بالذكر أن المشرع المغربي لم يعرف لنا العقود التجاري بشكل دقيق ( الفقرة الأولى) بينما تولي الفقه عنه هذه المهمة (الفقرة الثانية إلى أن القضاء له وجهة نظر أخرى في تعريفه للعقود التجارية (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: التعريف التشريع المغربي للعقود التجارية
اصطلاح العقود التجارية وأن كان ذائع الاستعمال إلا أنه يفتقر إلى الدقة والتحديد ذلك أنه لا توجد عقود تجارية بمعنى المفهوم الاصطلاحي، بل إن العقود التي ينظمها قانون الالتزامات والعقود تكون عقودا تجارية إذا اندرجت في عداد الأعمال التجارية.
والمشرع المغربي لم يعرف لنا العقد في قانون الالتزامات والعقود خلافا لما فعله التقنين المدني الفرنسي الذي عرف العقد بقوله" العقد اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو أكثر نحوشخص أو أكثر بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل.
ويلاحظ أن المشرع المغربي أحسن صنعا في تجنبه إعطاء تعريف للعقد لأن التعريف فقهية يجب أن يترك أمرها للاجتهاد.
وبالرجوع إلى مدونة التجارة نجد أن المشرع لم يعرف لنا العقد التجاري من حيث الأصطلاح لكنه قام بتعداد مجموعة من الأنشطة والأعمال التي اعتبرها تجارية.
وما يستساغ من ذلك أن هذه الأعمال متى وردت في شكل تصرف قانوني أي العقد إلا واعتبر العقد تجاريا بذلك يكون المشرع المغربي قد حاول إعطاء تعريف ولو على سبيل المثال للعقد التجاري تاركا مهمة التفسير والتوسع في المفهوم للفقه والقضاء، والسند في ذلك أن العقد يكتسب الصفة التجارية بتطبيق أحد المعايير المقررة للعمل التجاري 16.

الفقرة الثانية: التعريف الفقهي للعقود التجارية
إذا كانت مدونة التجارة قد نظمت العقود التجارية في كتابها الرابع بمقتضى الفصول (336 إلى 544)، فإن المشرع من خلال هذه المدونة، أحجم عن إعطاء تعريف محدد لهذه العقود تاركا المهمة للفقه والقضاء، كما هو الشأن في باقي التشريعات المقارنة، فبالنسبة للفقه الفرنسي حيث عرف الفقيه "روكي رودوپير" العقد التجاري بقوله" تقصد بالعقود التجارية، الالتزامات التعاقدية التي تكون عملا تجاريا بالنسبة لأحد الأطراف، بمعنى أخر هي الأعمال التجارية أو الأعمال المختلطة التي يتم صياغتها في الشكل الخاص للعقود ".
أما فيما يخص الفقه المصري فإنه يكاد يجمع على إن العقود التجارية لا تختلف عن العقود المدنية فيما يتعلق بالأحكام الخاصة بانعقادها ونفادها، وانقضائها بحيث يرى هذا الفقه أن العقود التجارية هي عقود مدنية لكنها تتخذ الصفة التجارية عندما يكون موضوعها أحد الأعمال التجارية الواردة في القانون التجاري، أو إذا صدرت ممن له الصفة التجارية، ولحاجات تتعلق بتجارته تطبيقا النظرية الأعمال التجارية بالتبعية.
وتوجد إلى جانب الأعمال التجارية الأصلية أعمال تجارية بالتبعية وهذا النوع من الأعمال يعتبر مدنيا إلا أنه بالنظر لصدوره عن تاجر وبمناسبة ارتباطه بتجارته فإنه يكتسب الصفة التجارية بالتبعية وذلك تطبيقا لقاعدة الفرع يتبع الأصل.
وقد أخد المشرع المغربي بنظرية الأعمال التجارية من خلال المادة 10 من مدونة التجارة التي تنص على أنه "تعتبر تجارية كذلك الوقائع والأعمال التي يقوم بها التاجر بمناسبة تجارته ما لم يتبين خلاف ذلك".
أما من جهة الفقه المغربي في شخص الفقيه"بو عبيد عباسي" فقد عرف العقد التجاري بأنه "ذلك العقد الذي يكون موضوعه أحد الأعمال التجارية الأصلية أو بالتبعية، حتى إذا اتخذت الشكل القانوني للعقد ولا يهم بعد ذلك إن كان العقد منظما بمقتضى القانون التجاري أو القانون المدني أو الأعراف". 
أما الفقيه الشكري السباعي" فقد حدد العقود التي يبرمها التجار سواء كانوا أشخاص طبعيين أو معنويين في ثلاثة أشكال:
-عقود يبرمها مع تاجر أخر وبمناسبة تجارتهما وهذه العقود قطعا هي تجارية بالنظر إلى صفة الأطراف أوبالنظر إلى النشاط الذي يكون محل العقد عقود يبرمها التاجر مع غير التاجر من المستهلكين أو الزبناء والتي تعرف باسم الأعمال المختلطة التي تضم طرفا مدنيا ولها قواعد خاصة بها.
عقود يبرمها التجار ولا تتعلق بأنشطتهم التجارية كعقد الزواج.
كما وردت عدة تعارف للعقد التجاري في دليل المحاكم التجارية الذي تصدره وزارة العدل، فقد ورد فيه بأن العقد التجاري هو العقد الذي يجريه التاجر إذ كان متصلا بحرفته" أو "هوالعقد الذي ينشئ في ذمة أحد طرفي العقد أوطرفيه التزامات تجارية" أو “هوالأعمال التجارية والأعمال المختلطة عندما تجري في شكل عقود.
وانطلاقا من هذه التعريفات نستشف بأن العقود التجارية هي تلك العقود التي يبرمها التاجر بمناسبة أعماله التجارية سواء كانت تلك الأعمال التجارية أصلية أو بالتبعية.

الفقرة الثالثة: موقف القضاء من العقود التجارية
اتخذ القضاء منحا واضحا لتحديد مدلول العقد التجاري، ووضع لذلك عنصرين يستشف منهما مدلول العقود التجارية.
العنصر الأول: يتوجب البحث عن صفة الأطراف التي تعاملا في العقد، بحيث كلما كان أحدهما أو كلاهما تاجرين فإن هذا العقد يتخذ الصبغة التجارية.
العنصر الثاني: يتمحور بالأساس على موضوع العقد ومحله، فإذا كان محل العقد إحدى الأنشطة التجارية الواردة في مدونة التجارة فإن هذا العقد يكون تجاريا بغض النظر مع صفات أطراف التعامل بالعقد، وبالتالي فإن كل عقد كان موضوعه أحد الأنشطة التجارية الأصلية أو التبعية الواردة في مدونة التجارة فإن العقد يعتبر تجاريا بغض النظر عن تنظيم هذه العقود في مدونة التجارة أوفي بعض النصوص الخاصة.
ولقد كان المشرع المغربي حكيما حينما عدد لنا الأنشطة التي اعتبرها تجارية على سبيل المثال وفتح المجال للقياس والمماثلة على هذه الأنشطة حتى يمكن اعتبارها تجارية من عدمه، بذلك يكون موقف مشرعنا عین الصواب على اعتبار أن الأنشطة التجارية لا يمكن حصرها فالبيئة التجارية ذات طابع ديناميكي تؤدي لا محالة إلى ظهور أنشطة جديدة وبالتالي ظهور عقود تجارية جديدة.
وسيبقى القضاء التجاري في بلادنا هو قطب الرحى في تكييف العقود وربطها بنظرية الأنشطة التجارية وفق معايير تميزها عن الأعمال المدنية المتمثلة في المضاربة والربح والمقاولة، وبالتالي سيكون مصير تحديد العقود التجارية غير المنظمة قانونا بيد القضاء التجاري الذي سيأخذ بمبدأ المماثلة في تحديد الأنشطة التجارية الجديدة.
وهكذا فقد دأب القضاء المغربي في شخص القضاء التجاري على الأخذ بموضوع العقد كأساس الإسناد الاختصاص للمحاكم التجارية حيث من خلال الممارسة القضائية يتضح أن عقد القرض البنكي مثلا هو عقد تجاري بغض النظر عن طرفيه هذا من جهة، ومن جهة أخرى يأخذ القضاء التجاري بصفة طرفي العقد لإضفاء الصفة التجارية على المنازعات القائمة بينهم وإسناد الاختصاص لها كإعتبار عقد كراء محل بين طرفين تاجرين هو عقد تجارية.

العقود التجارية


المطلب الثاني: خصائص العقود التجارية
للعقود التجارية خصائص تتماشى وطبيعة هذه العقود ومن بينها خاصية الرضائية (الفقرة الأولى) ثم خاصية المعاوضة (الفقرة الثانية) ثم الخاصية التجارية (الفقرة الثالثة).
الفقرة الأولى: خاصية الرضائية
بالنسبة لرضائية العقد فإن هذه القاعدة على بساطتها لم يعرفها لنا القانون الفرنسي إلى مؤخرا بعد أن تخلى عن الطقوس التي ورثها عن القانون الروماني في حين عرفتها لنا الشريعة الإسلامية من قبل" ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" .وهذا الأصل يقول ابن تيمية" ... وفي المعاوضات علق الحكم بالتراضي لأن كل من المتعاوضين يطلب ما عند الأخر ويرضى به خلاف التبرع فالأفراد أحرار في معاملاتهم".
والالتزام العقدي لا ينشا أصلا إلا تبعا لسلطان إرادة المتعاقدين تنشا الالتزامات عن الاتفاق والتصريحات الأخرى المعبرة عن الإرادة... "، ولا يتم إلا بتراضي المتعاقدين على العناصر الأساسية للالتزامات والشروط الأخرى المشروعة، ولا يعتد بالتعديلات إلا بالاتفاق الصريح.
ويترتب على قوة الإرادة الحرة السليمة أن يصير العقد بمثابة قانون بين المتعاقدين.
ومن خلال ما تقدم يراد برضائية العقود التجارية أنها تنعقد بمجرد تبادل الطرفين التعبير عن إرادتين متطابقتين فلا يشترط لانعقادها شكلا معين وهناك استثناءات على الأصل بينما نجدهذا الاستثناء هو الأصل في العقود المدنية التي تحاط بالعديد من الإجراءات الشكلية القانونية كعقد البيع النصب على عقار بقصد التملك.
الفقرة الثانية: خاصية المعاوضة
أي أنها عقود يتلقى فيها كل طرف مقابل لما يعطي ويراعى في هذا العدد بعض العقود أنها يمكن أن تتم على سبيل المجاملة، أي تبدو بغير عرض ظاهرا لكنها مع ذالك تعتبر عقودا تجارية، وذلك لانتفاء نية التبرع كما هو الشأن وعمليات البنوك التي يقدموها لزبنائهم، أو كما في البيع بتخفيض كبير عند تصفية بعض البضائع.
الفقرة الثالثة: الخاصية التجارية
لا خلاف أن معظم العقود التجارية نشأت وترعرعت بين أحضان العقود المدنية، فاستقلت عنها بأحكام وقواعد تتماشى وطبيعة هذه العقود، حيت تستخدم في المجال التجاري التنظيم مختلف المعاملات التي يقوم بها التجار في ما بينهم وبمناسبة أعمالهم التجارية سواء كانت هذه الأعمال التجارية أصلية أو بالتبعية، ومن هنا تكتسب هذه العقود الصفة التجارية وما يترتب على هذه الصفة من أثار قانونية مختلفة عن القواعد العامة التي تسري على العقود المدنية.
وما يحيلنا بأن العقد تجاري هو أن تفرغ تلك الأنشطة أوالأعمال التي اعتبرها المشرع المغربي تجارية في شكل العقد حتى يعتبر هذا العقد تجاري ويمتاز بخاصية التجارية التي تؤهله لكي ينظم إلى النظام الخاص بالعقود التجارية، بذلك فمن الخصائص المميزة للعقد التجاري هو كون موضوعه أحد الأنشطة التجارية المنصوص عليها في مدونة التجارة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad