نسب الحمل الناشئ أثناء الخطبة

نسب الحمل الناشئ أثناء الخطبة

 الدكتور أحمد زوكاغي

 أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال - الرباط

  من المتفق عليه أن الأحكام التي تضمنتها المادة 156 من القانون رقم 70 لسنة 2003 بمثابة مدونة الأسرة، تعتبر من الأحكام الجديدة التي لم تعرض لها مدونة الأحوال الشخصية والميراث لسنة 1957 الملغاة، بالرغم من أن الوقائع التي تعالجها المادة المذكورة كانت موجودة ومعروفة في المجتمع المغربي، واتخذ منها القضاء موقفا صارما وحاسما مشهورا ، عبر عنه المجلس الأعلى، في حكم بتاريخ 10 ماي 1988، أعلن فيه أنه: " لما كانت المحكمة قد تأكدت من أن المرأة وضعت مولودها بعد الزواج بأربعة أشهر فقط ، وألحقت ذلك نسب هذا المولود بالزوج ، بناء على ما ثبت لديها من أنه كان يعاشرها معاشرة الأزواج قبل أن يعقد عليها ، أخذا بالنظرية الفقهية القائلة بجواز اعتبار الحمل الذي يظهر على الخطيبة قبل أن يعقد عليها الخطيب ولحوق النسب بالخطيب إذا أمكن الاتصال ، تكون المحكمة بصنيعها هذا قد خالفت أصول الفقه المعمول به ، والحديث الشريف " الولد للفراش " ، أي للعقد الصحيح بعد إمكان الوطء ، وجاءت به بعد ستة مع أشهر من العقد ".

 وللتذكير ، تتعلق المادة 156 المشار إليها أعلاه ، بالحالة التي تنعقد فيها الخطبة بين رجل وامرأة ، ثم ، وفي أثناء الخطبة ، يظهر بالخطيبة حمل ، يكون في حكم المؤكد أنه نجم عن الاختلاء بين الخاطب والمخطوبة، وعندئد يسارع الطرفان إلى العدلين لتحرير رسم النكاح، أو يتراخيان إلى تاريخ لاحق، قد يطول لسنوات ، يزداد خلالها أبناء آخرون، ثم يلجأن إلى دعوى ثبوت الزوجية للمطالبة بإعمال أحكام المادة الخامسة من المدونة الملغاة، أي الصفة الاستثنائية واعتماد البينة الشرعية لإثبات العلاقة الزوجية.

 وهي المسألة التي كان الاجتهاد القضائي منقسما بشأنها إلى اتجاهين ، أحدهما يعتبر أن الصفة الاستثنائية لسماع دعوى ثبوت الزوجية بالبينة الشرعية تقتضي أن تكون هناك ظروف استثنائية حالت دون توثيق عقد الزواج ، في حين يقرر الاتجاه الثاني أن إقرار الزوجين أو أحدهما يكفي لسماع دعوى ثبوت الزوجية.

 ومن الواضح أن المادة 156 من مدونة الأسرة حاولت التوسط بين الاتجاهين المتقدمين ؛ فهي لا تتعلق ، كما قد يبدو من خلال عنوان هذا التعليق ، أو من ثنايا عبارات المادة 156 نفسها ، بالخطبة أساسا ، أو بمرحلة الخطوبة ؛ ولكنها على العكس من ذلك ؛ تهم الحالة التي نكون فيها في مواجهة زواج شرعي، توفرت له كل الأركان والشروط المطلوبة ، من الناحية الشرعية، لانعقاد النكاح، ولا ينقصه سوى شرط من الشروط المستحدثة التي فرضها القانون الوضعي، تحقيقا للصالح العام ولدرء مفاسد حقيقية وثابتة، وهذا الشرط هو الذي يتمثل في توثيق الزواج وتحرير وقائعه والاتفاق المنعقد بشأنه في وثيقة رسمية، يحررها شخصان مختصان بحكم القانون في التوثيق، ويخاطب عليها الموظف المكلف بالتوثيق، أي قاضي التوثيق ، وتدرج في ملف الزواج المحفوظ لدى قسم قضاء الأسرة التابع للمحكمة الابتدائية. 

وبالفعل، ترتكز المادة 156 على فكرة الشبهة، لتقرير نسبة الحمل الذي يظهر بالمخطوبة أثناء الخطبة للخاطب، ومن المعلوم أن فكرة الشبهة هذه تجعل النسب الناشئ عن الشبهة يتساوى، من حيث الإثبات ومن ناحية الأثر ، مع النسب الذي يثبت عن طريق الفراش ، وكذلك مع النسب الذي يثبت عن طريق الإقرار ، وفقا لما قضت به المادة 158 من المدونة ، وما نصت عليه المادة 155 منها أيضا ، بحيث " إذا نتج عن الاتصال بشبهة حمل وولدت المرأة ما بين أقل مدة الحمل وأكثرها ثبت نسب الولد من المتصل ، يثبت النسب الناتج عن الشبهة بجميع الوسائل المقررة شرعا " .

 وغني عن البيان، أن الشبهة، في نطاق المذهب المالكي، التي توجب صداق المثل ويسقط بها الحد، إنما تكون في غير العمد ، أي في غير الوطء المتعمد، بأن كان ناسيا، كمن يطلق زوجته طلاقا بائنا وينسى ثم يطأها، أو من كان على غلط بأن أراد أن يجامع امرأته فأصاب غيرها، أو كان جاهلا للحكم الشرعي، بأن كان حديث العهد بالإسلام ويجهل أن الزنا محرم. ويلحق بالوطء بشبهة الزواج الذي يتم في الخارج أمام ضابط الحالة المدنية فقط دون عقده، بالصيغة الشرعية ، وكذلك الوطء أثناء الخطبة، إذ توفرت شروط المادة 156 من مدونة الأسرة. 

وهنا تجب الإشارة إلى أن المادة 156 المذكورة ، وإن كانت تتحدث عن نسب الحمل الذي يظهر بالخطيبة ، أثناء الخطبة ، وتقضي بضرورة إسناده إلى الخاطب ؛ إلا أنها تعلق ذلك على تحقق مجموعة هامة من مجلة الملحق القضائي الشروط التي يتأكد معها، بما لا يدع أي مجال للشك، أن الأمر يتعلق، في حقيقة الأمر والواقع ، بزواج صحيح، من الناحيتين الشرعية والقانونية، لا ينقصه سوی شرط تحرير الوثيقة الرسمية التي تشهد بثبوته، وهي مسألة لا تؤثر في شيء على صحته ولزومه ونفاذه، مادامت كل الأركان والشروط قائمة ومتوفرة. ونتيجة لذلك، إذا انتفى شرط من الشروط المقررة لثبوت النسب امتنع نسب الحمل إلى الخاطب كما لو تبين أن الرابطة التي جمعت بين الطرفين إنما كانت عبارة عن علاقة جنسية عابرة، أو حرة طليقة، لا تستند إلى اتفاق على زواج، ولا إلى تراض على تحكيم شرع الله تبارك وتعالى ، وسنة نبيه الكريم ، ولا إلى موافقة أسرتي المخطوبين ، وخاصة والد المخطوبة. 

وفوق ذلك كله ، بالإضافة إلى تطابق الإيجاب والقبول بين طرفي الخطبة ، واشتهار الخطوبة بين أسرتي الخاطبين وبين الجيران وعند الأقارب ؛ يتعين أن تكون الخطيبة قد حملت أثناء فترة الخطبة ، وأن يعترف الخطيبان بأن الحمل قد نتج عن العلاقة التي جمعت بينهما . وهنا يتعين أن نتوقف قليلا عند مقتضيات المادة 156 ، وبالضبط تلك التي تتعلق من جهة ، بظهور الحمل أثناء فترة الخطبة ، ومن جهة ثانية بإقرار الخطيبين بأن الحمل منهما والأحكام الخاصة بإنكار الحمل من قبل الخاطب . أما ما يتعلق بظهور الحمل أثناء فترة الخطوبة ، فلم تعالجه المادة 156 بالتفصيل الذي كان يتعين أن يكون ، إذ اقتصرت على النص على أنه " إذا ... ظهر حمل بالمخطوبة " أو " إذا تبين أن المخطوبة حملت أثناء الخطبة " ، الأمر الذي يثير التساؤل حول المدى الزمني الذي ينبغي الاعتداد  به لاعتبار الحمل وقد نشأ أثناء فترة الخطبة ونتيجة العلاقة التي جمعت بين الخاطب والمخطوبة . ذلك أن الخطبة يمكن أن تستمر لأربع سنوات، مثلا، وفي هذه الحال يستحيل التأكد مما إذا كان الحمل قد تحقق أمده الأدنى أم أن الخطبة كانت مجرد تغطية لعلاقة جنسية غير مشروعة، مع الخاطب نفسه أو مع رجل آخر من الغير ، وبالتالي لن تكون الخطبة سوى ستار لروابط أخرى تضمر علاقات سفاح أو زني، أو تسري، أو حتى زنا المحارم ، سيما وأن رابطة الخطوبة إنما واقعة قانونية لا يمكن التقيد فيها بتاريخ معين ، كما هو الشأن بالنسبة للتصرفات القانونية ، بمعنى أن تاريخها يمكن أن يكون محددا كما يمكن أن يكون مبهما ومطلقا ، والحال أن الأمر يتعلق هنا بثبوت مسألة حيوية وخطيرة ، ينبغي أن يتوفر لها ما يجب من القطع هي النسب ، وهي ' والتأكد واليقين. وبناء على ذلك ، بما أن الأمر يتعلق بوطء بشبهة ، فإنه لا محيص من التقيد بالآماد المحددة لثبوت النسب ، وبعبارة أخرى ، ما دام الحمل الناتج عن علاقة الخطيبين ، أثناء مرحلة الخطبة ، قد تم تكييفه ، بمقتضى المادة 155 من المدونة بأنه وطء بشبهة ، فإنه يترتب على ذلك أنه " إذا نتج عن الاتصال بشبهة حمل أو ولدت المرأة ما بين أقل مدة الحمل وأكثرها ، ثبت نسب الولد من المتصل " ، شأنه في ذلك شأن النسب الذي يثبت بالإقرار ، أو بشهادة عدلين ، أو ببينة السماع ، وبكل الوسائل الأخرى المقررة شرعا ، بما في ذلك الخبرة القضائية . وغني عن البيان ، أن ثبوت نسب الحمل الناشئ أثناء الخطبة يرجع فيه إلى التاريخ الذي انعقدت فيه الخطبة ، وهو ما يمكن إقامة الدليل عليه بأي وسيلة من وسائل الإثبات المعتمدة في مضمار إثبات النسب.

وتطبيقا لذلك ، قضت المحكمة الابتدائية بتطوان ، في حكم غير منشور ، صدر تحت رقم 1188 بتاريخ 17 شتنبر 2007 ، في الملف رقم 13/07/855 ، بأنه " وحيث أكد الشاهد الثاني أن المدعي الأول خطب المدعية الثانية من والديها ، بتاريخ 13 أكتوبر 1995 ، وأن الخطبة اشتهرت بينهما ، فيما أوضح الشاهد الثاني ، بعد أداء اليمين القانونية ، أن المدعي الأول خطب المدعية الثانية ، خلال شهر أكتوبر 1995 ، وأكد تصريحات الشاهد الأول ، مضيفا بكون الولد ازداد بعد الخطبة ، وحيث أن الثابت من أوراق الملف كون الولد ازداد بتاريخ 6 غشت 1996 ، مما تكون معه المدة المتطلبة للحوق نسب الحمل بالخطيب متوفرة ، مادامت الخطبة تمت حسب الشهود خلال شهر أكتوبر 1995 ". 

وفي نفس السياق ، سبق للمجلس الأعلى أن نقض حكم محكمة الموضوع ، بموجب القرار الصادر عنه ، رقم 156 ، المؤرخ في 9 مارس 2005 ، في الملف الشرعي عدد 615-12-2003 ، والذي أعلن فيه أنه " وإن كان الفراش الشرعي قرينة قاطعة على إثبات النسب ، فإن ذلك مشروط بأن تكون الولادة ثابتة التاريخ ، وداخل الأمد المعتبر شرعا ، بشكل لا مراء فيه ولا جدال ، وبما أن موضوع الخصومة يدور حول ادعاء المطلوبة أنها طلقت من الطاعن بتاريخ 20 دجنبر 1989 ، ووضعت الابن المطلوب نفقته بتاريخ فاتح يناير 1990 ، وقدمت شهادة ولادته محررة بتاريخ 20 يوليوز 2000 ، وتصريح شرف منها . ونفي الطالب نسب الابن المذكور إليه ، لكونه لم يعلم بوجوده إلا بتاريخ 15 أكتوبر 2002 ، أي بعد توصله بدعوى المطالبة بنفقته ، ولكونه أيضا عقيما ، وأدلى بوثائق طبية لتأكيد ذلك ، والتمس إجراء خبرة طبية عليه وعلى الابن المذكور ، لتحديد نسبه وتاريخ ازدياده ، وهل هو من صلبه أم لا ، وأنه أمام اختلاف الزوجين بشأن تاريخ ازدياد الابن المذكور ، فإنه كان على المحكمة أن تبحث في وسائل الإثبات المعتمدة شرعا ، ومنها الخبرة التي لا يوجد نص قانوني وصريح يمنع المحكمة من الاستعانة بها . والمحكمة لما اكتفت بالقول ، ردا على ملتمس إجراء الخبرة ، بأن ما تمسك به الطالب يخالف أصول الفقه والحديث الشريف ، دون اعتماد نص قاطع في الموضوع ، فإنها لم تضع ما قضت به أساسا ، قراراها بذلك للنقض " ( قضاء الأسرة ، العدد الأول ، يوليوز 2005 ، ص 93 ) . وتجدر الإشارة إلى أن الإقرار ، بوصفه أداة من أدوات الإثبات في مجال النسب ، يتعين أن يكون صادرا عن الخطيبين معا و " أن الحمل منهما " ، كي يتأتى للمحكمة الإشهاد على الإقرار وإصدار حكم في شأنه يعتبر حجة على الكافة ، بحيث لا يكون قابلا لأي طعن . وعرضت وفي ذلك ، أكدت المحكمة الابتدائية بتطوان ، في الحكم المشار إليه من قبل ، رقم 1188 ، المؤرخ في 17 شتنبر 2007 ، أنه " ثبت للمحكمة توافر الشروط المنصوص عليها في المادة 156 ، والمتمثلة في تمام الخطوبة، وحصول الإيجاب والقبول ، وموافقة ولي الزوجة ، وحيلولة ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج ، بالإضافة إلى إقرار الخطيبين أن الحمل منهما ، وحمل المخطوبة أثناء الخطبة ، واشتهار الخطبة بين الأسرتين ، مما يبقى معه طلب ثبوت نسب الولد مبررا ويتعين الاستجابة له " . ثم إن الإقرار الصادر عن الخطيبين ينبغي أن يتم بمعرفة القضاء ، وأن يصدر بشأنه مقرر قضائي غير قابل للطعن . ولهذا السبب رفضت محكمة الاستئناف بطنجة الطعن بالاستئناف ، في حكم ابتدائي صادق على إقرار الخطيبين بأن الحمل منهما ، معلنة في القرار غير المنشور ، رقم 06/726، الصادر عن الغرفة الشرعية بالمحكمة المذكورة ، يوم 26 أكتوبر 2006، أنه لما كان " الحكم المستأنف صدر بالاستجابة لطلب ثبوت نسب البنت لوالديها، بعدما عاينت المحكمة إقرار الخطيبين أن الحمل منهما، وأن المخطوبة حملت أثناء الخطبة ، وأن الخطبة اشتهرت بين أسرتهما، وحيث إنه طبقا لمقتضيات المادة 156 من مدونة الأسرة، فإن المقرر القضائي الذي يصدر بمعاينة الشروط الآنفة الذكر يكون غير قابل للطعن ، مما يجعل الحكم المستأنف، في شقه القاضي بثبوت النسب غير قابل للاستئناف، الأمر الذي يتوجب معه التصريح بعدم قبوله " . وانطلاقا مما تقدم، يبدو أن المادة 156 باشتراطها صدور الإقرار عن الخطيبين معا وتحرير حكم قضائي بشأنه، قد وسعت من فكرة التقارر أو المقاررة بين الزوجين، المعروفة في الفقه الإسلامي والعمل القضائي، والتي تفيد أن الزوجين الطارئين أو الغريبين عن المدينة أو القرية أو المكان الذي نشأ فيه النزاع ، يتعين تصديقهما في ادعائهما أنهما زوجان ، فلا يطلب منهما الإدلاء بالبينة على قيام الزواج بينهما . وفكرة التقارر هذه ، أو المقاررة هي التي عبر عنها المجلس الأعلى ، في الحكم رقم 1132 ، المؤرخ في 20 أكتوبر 1992 ، في ملف الأحوال الشخصية رقم 92/5183 ، الذي جاء فيه " أن التقارر والمقاررة لا تكون حجة على ثبوت الزوجية إلا إذا كان المتقارران طارئين لا حاضرين ، والزواج يعود إلى مدة قديمة ، مع بيان سبب عدم الإشهاد ، أما الحاضران فلا أثر لتقاررهما ، بل يطبق عليهما حد الزنا إذا أقرا بالوطء ، كما نص على ذلك شراح المختصر ، وكل من الطالب والمطلوبة غير طارئ ، فلا يثبت زواجهما بإقرارهما لعدم توفر شروط إعمال التقارر ، وإلا فبوسع كل زانيين أن يتقاررا على ادعاء الزوجية ، وفي ذلك فساد الدين والنسل ... ومن جهة أخرى ، فإن العارض أثار ، وبشكل صحيح ، عدم زواجه بالمدعية ، وإنما أكره على التقارر واتقاء لفضيحة كانت محققة ، وأثار عدم توفر أركان عقد النكاح " .

 ولكن، ما الحكم في حالة ما إذا لم يكن الإقرار مشتركا بين الخطيبين، بأن أنكر الخاطب نسبة الحمل الذي ظهر على الخطيبة أو الولد الذي أنجبته أثناء مرحلة الخطبة ؟ وهو ما يحدث عادة وكثيرا في حالات انتهاء الخطبة بالفسخ أو العدول أو الوفاة.

 تشير الفقرة الأخيرة من المادة 156 ، جوابا عن السؤال السابق ، إلى أنه " إذا أنكر الخاطب أن يكون ذلك الحمل منه ، أمكن اللجوء إلى جميع الوسائل الشرعية في إثبات النسب " ، وهذه الوسائل هي التي نصت عليها المادة 158 المشار إليها من ذي قبل ، والتي فسرها وزير العدل ، أثناء مناقشة مشروع مدونة الأسرة بالبرلمان ، بأنها تعني جواز اللجوء إلى جميع الوسائل المقررة " شرعا " لإثبات النسب ، بحيث يدخل " في مفهوم عبارة " شرعا " الواردة في الفقرة الأخيرة من المادة 155 القانون لأن كل ما لا يتعارض من المقتضيات القانونية مع الشرع ، يدخل في مدلول لفظ " الشرع " بالنسبة لهذه المادة " ( المقتضيات الجديدة لمدونة الأسرة ، ص 166 ) . وهي نفس الفكرة التي أكد عليها الدليل العملي لمدونة الأسرة المنشور سنة 2004 ، ص 100 ، حيث ورد فيه أنه " إذا أنكر الخاطب ، أن يكون الحمل منه ، رغم توفر الشروط الأخرى ، أمكن إثبات النسب بجميع الوسائل القانونية ، ومنها الخبرة القضائية " . ولهذا السبب ، نقض المجلس الأعلى حكم محكمة الموضوع ، في القرار الصادر عنه بتاريخ 18 يناير 2006 ، في الملف الشرعي رقم 2005-1-2-108 ، معلنا " أن الفراش يكون حجة قاطعة على ثبوت النسب ، شرط تحقق الإمكانين المادي والشرعي ، والثابت من أوراق الملف أن الطاعن نازع في نسب الابن إليه ، وادعى أنه لم يتصل بالمطلوبة منذ ازدياد الابن الأول ، أي أنه استبرأها بعد هذا الوضع ، وأدى يمين اللعان على ذلك ، في حين رفضت المطلوبة أداءها رغم توصلها ، كما رفضت الحضور أثناء أدائه اليمين ، ورفضت كذلك الخبرة ، والتمس إجراء خبرة قضائية لإثبات عدم نسب المولود إليه ، وتمسك بها ، والمحكمة لما عللت قرارها بأن الخبرة ليست من وسائل نفي النسب شرعا، في حين أن المادة 153 من مدونة الأسرة ، النافذة المفعول بتاريخ القرار المطعون فيه ، والواجبة التطبيق ، والتي تنص على أن الخبرة القضائية من وسائل الطعن في النسب ، إثباتا و ونفيا ، تكون قد أقامت قضاءها على غير أساس ، ولم تعلله تعليلا سليما ، مما يعرضه للنقض " ( محمد الكشبور ، البنوة والنسب في مدونة الأسرة ، ص . 260) ومع ذلك ، فإن جواز اللجوء إلى الخبرة الطبية ، في حالة إنكار النسب من قبل الخاطب ، يثير كثيرا من المشاكل والصعوبات التي ثارت وأثارت معها عقبات وعوائق حتى بالنسبة للرابطة الزوجية الصحيحة ، المستجمعة لكل أركانها وشروطها الشرعية والقانونية ، وهو ما حدث ، على وجه التحديد ، في النازلة التي نظر فيها المجلس الأعلى ، بكل غرفه مجتمعة ، وأصدر فيها قراره المشهور الصادر في 30 دجنبر 2004 في القضية التي رفض فيها الالتفات إلى تقرير طبي ، أنجزه مختبر فرنسي للتحليلات الطبية ، يوجد مقره بالعاصمة باريس ، أكد فيه المختبر عدم وجود علاقة نسب بين ولد ووالده ، استناد إلى تحليل الحامض النووي ، وبشأنه ، أعلن المجلس الأعلى " أن المحكمة المطعون في قرارها قد بنت قضاءها على أنه إذا ولدت الزوجة بعد فراق ، يثبت نسب الولد ، إذا جاءت به خلال سنة من تاريخ الفراق ، مع مراعاة ما ورد في المادة 76 من مدونة الأحوال الشخصية ، المطبقة على النازلة ، والذي يتضمن أن أقصى أمد الحمل هو سنة من تاريخ الطلاق أو الوفاة " ، مضيفا " أن الحكم الأجنبي ، المحتج به ، الصادر عن محكمة المنازعات الكبرى بمدينة ميلوز بفرنسا ، بتاريخ 10 يوليوز 2000 ، حكم بأن المدعى عليه ليس أبا للطفلة ... اعتمادا على دراسة الدم وتحليله لنفي نسب البنت المذكورة عن المدعى عليه ؛ إلا أن ذلك مخالف لمقتضيات الفصل 76 المذكور ، كما أنه كان في وسع الطاعن نفي النسب عن طريق اللعان . وحيث ثبت لقضاة الموضوع أن البنت ولدت داخل أجل السنة من تاریخ طلاق المطلوبة ، واعتبروها بنتا للمدعى عليه ، وهو ملزم بالإنفاق عليها " . وهو نفس الاتجاه الذي سبق للمجلس الأعلى أن رسخه في حكمين مشهورين ، صدر الأول منهما في 15 شتنبر 1981 ، جاء فيه " إن ما قضي به الحكم المطعون فيه يجد أساسه في الفصل 91 من مدونة الأحوال الشخصية ، الذي نص على أن القاضي يعتمد في حكمه على جميع الوسائل المقررة ة شرعا في نفي النسب ، وليس من بين هاته الوسائل وسيلة التحليل الطبي " . أما الحكم الثاني ، الصادر في 9 فبراير 1982 ، فقد ورد فيه " أن قاعدة الولد للفراش لا يجوز دحضها إلا بالوسائل المقررة شرعا لنفي النسب ، وأنه إذا كان الشرع والقانون يعتدان برأي الخبرة من الأطباء في عدة مسائل ، فإنهما لم يعتدا برأيهم فيما يرجع لنفي النسب ، استنادا إلى عدم قابلية الزوج للإخصاب ، مادام في وسع ذلك الزوج نفي النسب ، عن طريق اللعان ".

مجلة الملحق القضائي/ العدد 44، سنة 2011.

خطبة الأسرة


إرسال تعليق

أحدث أقدم